تتجه الساحة العراقية نحو مستوى جديد من التوتر الأمني، بعدما تحولت القواعد والمصالح الأمريكية إلى هدف متكرر لهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، في تصعيد دفع واشنطن إلى إصدار تحذيرات أمنية عاجلة لرعاياها ودعوتهم إلى المغادرة. ويأتي هذا التطور في ظل تغير لافت في قواعد الاشتباك، عقب إعلان رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني منح القوات الأمنية و"الحشد الشعبي" ما وصفه بـ"حق الرد" على الهجمات التي تستهدف مواقعهم.
التحذير الأمني الذي أصدرته السفارة الأمريكية في بغداد لم يقتصر على التنبيه من المخاطر الأمنية، بل تضمن دعوة صريحة للرعايا الأمريكيين لمغادرة البلاد، مع الإشارة إلى مخاوف من عمليات اختطاف وهجمات محتملة. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس مستوى غير مسبوق من القلق الأمريكي بشأن تدهور البيئة الأمنية.
في المقابل، أعلنت فصائل مسلحة ضمن ما يُعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق" تنفيذ سلسلة هجمات خلال الساعات الماضية استهدفت قواعد ومواقع مرتبطة بالوجود الأمريكي باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ، شملت مناطق متفرقة من العراق بينها مواقع في إقليم كردستان ومحيط قواعد عسكرية غربي البلاد.
ويُذكر أن قرار منح "حق الرد" جاء بعد سلسلة ضربات استهدفت مواقع مرتبطة بالفصائل المسلحة في العراق خلال الأسابيع الماضية. وبحسب قراءات سياسية، فإن هذا القرار منح غطاءً رسمياً لتوسيع نطاق الردود العسكرية، ما فتح الباب أمام تصعيد أوسع في استهداف القواعد والمصالح الأمريكية.
ويرى محللون أن هذا التطور أسقط عملياً القيود السياسية التي كانت تضبط تحركات بعض الفصائل، وهو ما انعكس في ارتفاع وتيرة الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ خلال فترة قصيرة.
التصعيد الحالي يرتبط أيضاً بصراع أوسع حول خطوط الإمداد في المنطقة. فقد شهدت الفترة الأخيرة ضربات استهدفت ما توصف بأنها "ممرات لوجستية" تستخدمها الفصائل المسلحة لنقل السلاح والعتاد. وفي المقابل، تسعى هذه الفصائل إلى الرد عبر استهداف القواعد العسكرية الأمريكية وتعطيل حركة انتشارها داخل العراق.
ويشير مراقبون إلى أن هذه المعادلة تعكس انتقال الصراع إلى مستوى "حرب الاستنزاف"، حيث تحاول كل جهة إضعاف قدرات الطرف الآخر عبر ضرب بنيته اللوجستية أو قواعده العسكرية.
كما يذكر أن التصعيد في العراق يتزامن مع توتر إقليمي واسع أعقب الضربات التي استهدفت العمق الإيراني في أواخر فبراير/ شباط الماضي، والتي أدت إلى تصاعد المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى.
ضمن هذا السياق، باتت الساحة العراقية إحدى الجبهات الأكثر حساسية في هذا الصراع، إذ تُستخدم كمنطقة ضغط متبادل بين الأطراف المتنافسة، سواء عبر استهداف القواعد العسكرية أو عبر عمليات الرد غير المباشر.
هذا المشهد يضع الحكومة العراقية أمام معادلة معقدة بين الضغوط الداخلية للفصائل المسلحة، والضغوط الدولية المرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي. ومع استمرار الهجمات والتحذيرات الأمنية، تبدو بغداد أمام مرحلة شديدة الحساسية قد تشهد مزيداً من التصعيد إذا استمرت الضربات المتبادلة في المنطقة.
ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة قد تدفع العراق إلى الانخراط بشكل أعمق في التوترات الإقليمية، في وقت تحاول فيه الحكومة الحفاظ على توازن دقيق بين القوى الداخلية والضغوط الدولية المتزايدة.