القائمة
03:11 27 نيسان 2026
"خاص كواليس"

أسعد بشارة ويوسف دياب لـ"كواليس": اللبنانيون أسقطوا الوصاية السورية... واليوم اختبار استعادة الدولة

وراء الكواليس

تحلّ ذكرى السادس والعشرين من نيسان هذا العام في لحظة مختلفة من تاريخ لبنان وسوريا، إذ تأتي للمرة الثانية بعد سقوط نظام الاسد، وفي ظلّ مرحلة سياسية جديدة تقودها السلطة السورية الجديدة برئاسة  أحمد الشرع هذه الذكرى التي ارتبطت بخروج الجيش السوري من لبنان عام 2005، لم تعد تُستحضر فقط كحدث أنهى عقوداً من الهيمنة السورية على القرار اللبناني، بل باتت تُقرأ أيضاً من زاوية التحولات الإقليمية وإمكانية بناء علاقة مختلفة بين بيروت ودمشق، تقوم على منطق الدولة لا الوصاية.

شكّل انسحاب الجيش السوري من لبنان محطة مفصلية في تاريخ البلاد، بعدما انتهى وجود عسكري وأمني امتد لعقود، وتحكّم بمفاصل القرار السياسي اللبناني. وجاء الانسحاب حينها تحت ضغط التحركات الشعبية التي أعقبت اغتيال رفيق الحريري ، وما رافقها من زخم داخلي ودولي تُرجم في انتفاضة 14 آذار التي طالبت بخروج القوات السورية واستعادة السيادة اللبنانية.

وفي حديث خاص لـ"كواليس"، اعتبر الصحافي والناشر في موقع "عرب فايلس" أسعد بشارة أن ما جرى في 26 نيسان كان "ثمرة نضال اللبنانيين من أجل الخروج من وصاية الأسد"، مشدداً على أنه كان يرفض توصيف القوات الموجودة في لبنان بـ"الجيش السوري"، بل كان يعتبرها "جيش الأسد"، في إشارة إلى طبيعة النظام الذي حكم سوريا لعقود.

ورأى بشارة أن تلك الذكرى تمثل محطة سيادية كبرى للبنان، قائلاً إن ما فعله نظام الأسد في لبنان "كان احتلالاً من أسوأ أنواع الاحتلال"، معتبراً أن خروج الجيش السوري شكّل نموذجاً للبنانيين حول قدرتهم على استعادة قرارهم الحر عندما تتوحد إرادتهم السياسية والشعبية.

لكن بشارة شدد في الوقت نفسه على أن الانسحاب العسكري لم يكن كافياً لإنهاء كل آثار الوصاية، معتبراً أن "الذيول بقيت داخل لبنان وتمت محاصرة القرار اللبناني المستقل"، في إشارة إلى استمرار النفوذ السياسي والأمني عبر حلفاء دمشق في الداخل اللبناني.

وربط بشارة بين تلك المرحلة والواقع الحالي، معتبراً أن لبنان لا يزال أمام استحقاقات سيادية كبرى، تتعلق باستكمال بناء الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، مشيراً إلى أن مستقبل البلاد مرتبط بقدرة اللبنانيين على معالجة الملفات العالقة التي ما تزال تؤثر على سيادة الدولة واستقرارها.

وفي ما يتعلق بالعلاقة اللبنانية السورية بعد سقوط نظام الأسد، رأى بشارة أن التجربة الحالية مع السلطة السورية الجديدة تظهر "إمكانية كبيرة لتطبيع العلاقة بشكل نهائي بين لبنان وسوريا"، بعيداً عن الإرث السياسي السابق الذي كان ينظر إلى لبنان باعتباره كياناً تابعاً أو مصطنعاً. واعتبر أن العلاقة اليوم تتجه تدريجياً نحو صيغة "دولة إلى دولة"، حتى وإن لم تصل بعد إلى مرحلة مثالية.

وأشار إلى أن المصالح الاقتصادية المشتركة يمكن أن تشكل مدخلاً أساسياً لبناء علاقة مستقرة بين البلدين، مؤكداً أن لبنان وسوريا يمتلكان فرصاً كبيرة للتعاون الاقتصادي إذا جرى التعامل بينهما وفق منطق المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل للسيادة.

بدوره،ايضا ل"كواليس" وصف الصحافي والكاتب السياسي يوسف دياب يوم انسحاب الجيش السوري بأنه "يوم تاريخي بكل ما للكلمة من معنى"، معتبراً أنه أنهى ما يقارب نصف قرن من الهيمنة السورية على القرار اللبناني.

وفي حديثه استعاد دياب أجواء المرحلة التي تلت اغتيال رفيق الحريري، مشيراً إلى أن اللبنانيين لم يكونوا يتوقعون أن يتحقق الانسحاب بهذه السرعة، إذ جاءت التطورات نتيجة تحولات داخلية وإقليمية ودولية دفعت النظام السوري في النهاية إلى الانسحاب من لبنان.

وأكد دياب أن انتفاضة 14 آذار لعبت الدور الأساسي في هذا التحول، لأنها نجحت في إظهار إرادة اللبنانيين أمام العالم، قائلاً إن هذا الحراك الشعبي أقنع المجتمع الدولي بوجود قرار لبناني حقيقي بالتخلص من الوصاية السورية.

واعتبر دياب أن انسحاب الجيش السوري شكّل بالنسبة للبنانيين "التحرير الثاني" بعد تحرير الجنوب عام 2000، نظراً لحجم تأثيره على الحياة السياسية اللبنانية وعلى فكرة استعادة القرار الوطني المستقل.

إلا أن دياب رأى أن مرحلة ما بعد الانسحاب السوري لم تؤدِّ إلى استقرار كامل، معتبراً أن النفوذ الإيراني تمدد لاحقاً داخل لبنان عبر  حزب الله، وأن قوى 14 آذار أخطأت حين اعتقدت أن الحزب سيتجه نحو الاندماج الكامل في الدولة اللبنانية بعد تلك المرحلة.

كما أشار إلى أن السنوات اللاحقة شهدت اغتيالات سياسية واستعادة السيطرة على مفاصل الدولة، وصولاً إلى أحداث السابع من أيار 2008 التي كرّست الانقسام الداخلي وأعادت خلط التوازنات السياسية في البلاد.

وفي المقابل، رأى دياب أن وصول السلطة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع أظهر تحولاً واضحاً في مقاربة دمشق تجاه لبنان، من خلال خطاب يقوم على الاعتراف المتبادل واحترام سيادة البلدين ومنع استخدام أي منهما منصة لتهديد الآخر.

وأشار إلى أن السلطات السورية الجديدة اتخذت خطوات عملية في هذا الاتجاه، من بينها تفكيك مصانع الكبتاغون على الحدود اللبنانية السورية، وتشديد الرقابة على المعابر غير الشرعية والأنفاق المستخدمة في التهريب، إضافة إلى التعاون الأمني والقضائي مع لبنان في عدد من الملفات.

كما لفت إلى أن دمشق أبدت استعداداً للتعاون في ملفات حساسة، من بينها قضية المفقودين اللبنانيين والاغتيالات السياسية التي شهدها لبنان خلال العقود الماضية، في خطوة اعتبرها مؤشراً على تبدّل النهج السياسي السوري تجاه لبنان.

وبين ذاكرة الوصاية الثقيلة ومحاولات فتح صفحة جديدة، تبقى ذكرى انسحاب الجيش السوري من لبنان مناسبة لاستعادة واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في التاريخ اللبناني الحديث. إلا أن هذه الذكرى، في ظل المتغيرات الحالية، لم تعد مرتبطة فقط بالماضي، بل باتت تطرح أسئلة جديدة حول مستقبل العلاقة بين البلدين، وإمكانية بناء توازن جديد يقوم على السيادة والتعاون بدل الهيمنة والتبعية.